صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
317
شرح أصول الكافي
من العبد ولكنّ الله أولى بالحسنات والخيرات من العبد والعبد أولى بالسيئات والشرور ، إذ ليس في ذاته تعالى جهة من جهات النقص والعدم وانه منبع إفاضة الوجود والخير وانما منبع الشرور والعدم هو الامكان ثمّ المادة التي صدرت من بعض الأوائل المفارقة من جهة نقصه الا مكاني وهي اخس الذّوات واظلمها وابعدها من الأول تعالى ، وكلما هو أشد تعلقا بها فهو اخس ذاتا وأسوأ فعلا ، والنفوس الادمية كلما كانت هي أكثر تعلقا بالمواد والبدنيّة فهي اخس ذاتا وأسوأ فعلا وأكثر معصية . فعلى هذا التحقيق انكشف ان حسنات العبد من الله وسيئاته من نفسه مع انّ الكلّ صادرة منه تعالى فاتل قوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ « 1 » ، وأتل أيضا قوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً « 2 » ، فيقولون تارة بالجبر وتارة بالقدر وكلا القولين زيغ عن منهج الصواب وانحراف عن سنن أولى الألباب . واما قوله : انّى لا اسئل عما افعل وهم يسألون ، فقد مر تفسيره بما لا يوجب الجبر ولا نفى العلّة والمعلول ولا نفى الغاية عن فعله تعالى ، وانما قال ذلك لان لا يعترض أحد عليه تعالى فيما يفعله وفيما جرى عليه قضائه وقدره ، لان أكثر العقول بل كلها الا نادرا قاصرون عن فهم سرّ القدر فالجموا بلجام المنع الشرعي . واما أهل الكلام منهم فيعرفون ان تخصيص كل فرقة بما خصّصوا به من لوازم الوجود والايجاد وانّ هذا الترتيب والتميز من ضروريّات الماهيات وتفاوت طبقات الوجود ودرجات الكون في القرب والبعد من الله الأكبر ، فإذا تؤمل فيما ذكر فلا وجه بعد ذلك للاعتراض بأنه لم صار السعيد سعيدا والشقي شقيا . وليت شعري لم لا ينسب الظلم إلى الملك المجازى حيث يجعل بعض من تحت تصرفه وزيرا قريبا وبعضهم كناسا بعيدا ؟ لانّ كلا منهما من ضرورات المملكة وينسب الظلم إليه تعالى في تخصيص كل من عبيده بما خصّص به مع أن كلا منهما ضروري
--> ( 1 ) . النساء / 79 ( 2 ) . النساء / 78